إنها معادلة واضحة المعطيات، القابلية للتطور نتيجتها الطبيعية، تتفرَّع ركائزها على البنية الداخلية والإدراك الثقافي. تنص هذه المعادلة على أن المجتمعات المتفوِّقة والقابلة للتطور هي المجتمعات المستقرة في بنائها الداخلي، والمتميِّزة بالقدرة على إدراك القيم الثقافية الناهضة وتناولها في حياتها العملية.

فليس ثمة مجتمعات تكون لها أهلية للتطور من غير أن تكون مستندة على بناء داخلي متماسك للحياة الاجتماعية بمعناها الواسع، ومستوى عال من الفهم والإدراك للقيم والمفاهيم النهضوية، لا بالمعنى النظري للكلمة البعيد عن التطبيق العملي، بل مع شرط التناول الفعلي لتلك المفاهيم في الحياة العملية.

فبقدر ما تكون المجتمعات خاوية في البناء الاجتماعي بقدر ما تكون قابلة للفشل والتأخر ومن ثم تفاقم التأزم في مسيرتها العملية، والحال نفسه ينطبق فيما لو كان الخلل على مستوى البناء الثقافي، والعكس صحيح.

البناء الداخلي
تتقوَّم البنية الداخلية لأي مجتمع بمجموعة من الأسس:
1. العلاقة الزوجية المولِّدة للمجتمعات الصغيرة.
2. الحياة الأسرية المحافِظة على انتماء الفرد والمؤطِّرة لمسيرته.
3. الترابط الاجتماعي على مستوى العلاقات العامة.
4. القيمة الذاتية للأفراد الفاعلين وأهمهم الشباب.

فهذه الأسس الأربعة هي الروح الحقيقية لأي مجتمع، وأي فشل يطال أحدها يؤثر على بقيتها، ما بالك لو استغرق الفشل أو لا أقل الضعف جميعها فإن ذلك يعني اختلال البناء الاجتماعي بالمستوى الذي يؤدي إلى انعدام العطاء الايجابي فيه.

لهذا ينبغي للقوى المعنية بالتوجيه الثقافي والتربوي أن تعمل بجد للمحافظة على إصلاح البناء الداخلي للمجتمع بصورة مستمرة، حتى لا تعشعش الأمراض القاتلة فيه وتصيبه بالعطب.

ومن أهم ما ينبغي القيام به المراقبة المستمرة لمسيرة الأسس المذكورة، ومحاولة إزالة الطفيليات عنها والتوجه لحل مشاكلها المتجددة والسعي لتطويرها بإضافة لمسات تتناسب مع تتطور الزمان والمكان بشكل علمي بعيد عن الفرض القسري.

الإدراك الثقافي
يمكن تلمّس الإدراك الثقافي عند أي مجتمع من توفر حزمة من العناصر:
1. الاهتمام بالعلم والمعرفة.
2. استيعاب المفاهيم الثقافية الكبرى التي يقوم عليها البناء الفكري للإنسان.
3. تجلي القيم الثقافية في السلوكيات العامة للأفراد.

فالاهتمام بالعلم والمعارف الدينية والإنسانية إنما هو مقدمة ضرورية لرسوخ المفاهيم والقيم الثقافية عند المجتمع، لكن الرسوخ النظري غير كاف إذ لابد أن تتجلى تلك القيم عملياً في ممارسات الأفراد اليومية سواء على المستوى الفردي أو الاجتماعي، لهذا فالمعيار الذي يقاس به المستوى الثقافي لأي مجتمع ليس التراكم النظري للمعارف، وإنما التجلّي الواقعي لتلك المعارف في الحياة العامة.

ولاشك أن ذلك لا يتأتى إلا بتوفر مجموعة من الآليات والعناصر الضرورية المتعلقة بنمط الخطاب الثقافي والمنهج التربوي.