كيف بدأت مشكلة «العقل والنقل»، هل تولّدت من داخل العقل الاسلامي، أم سقطت عليه من الخارج فانفعل بها؟

إن الإجابة‌ على هذا السؤال على قدرٍ من الأهمية، لأن المشكلة إذا كانت نابعة من داخل العقل الإسلامي، فإنها تكشف أن طبيعة‌ تركيبة الفكر الإسلامي ونمطه الديناميكي قابلٌ لتمخّض مثل هذه الإشكالية، ومجرد احتمال هذه القابلية يعطي مصداقية لمادة الإشكال، وبالتالي إذا صحّتْ هذه الفرضية فإن مساق البحث والمناقشة يبتني على ضرورة تلمّس إي اجابة‌ على تلك الإشكالية من داخل النص الديني لا من خارجه.

فمادام الفكر الإسلامي بذاته - الذي جاء به ذلك النص- قابلاً لتولّد مثل تلك الإشكالية، فلابد أن نبحث عن الإجابة في ذات النص، لأنه المسؤول عن صدورها، وبالتالي فهو المتكفل بوضع مقاييسها وضوابطها.

أما إذا كانت الإشكالية مستوردة وساقطة من الخارج، فإن الأمر يختلف تماماً، لأنه أولاً لا يدل على وجود قابلية في الفكر الإسلامي لتولّد مثل تلك الإشكالية، وبالتالي فلسنا معنيين باستظهار الإجابة من النص، و إن كنّا على كل حال مضطرّين لعرض الإشكالات الخارجية على أصولنا الدينية لتمحيصها.

وآنئذ يجب أن نبحث عن المصدر الحقيقي ونستظهر حقيقة الإشكالية منه، وهذا الموقف بطبيعته يضطرنا لإستدعاء إجابات علاجية خارجة عن حريم النص، لضبط التعاطي مع تلك الإشكالية.

فكيف تولّدتْ جدلية العقل والنقل كإشكالية؟

في الواقع أن تموّجات الفكر النصّي و طبيعة ديناميكيته الخارجية -أي حين يصطدم بالواقع المتحرك- ‌لابد أن تقف يوماً على ساحل هذه الإشكالية - العقل والنقل-، خاصة‌ مع غياب المشرِّع بالواسطة المتمثل في المعصومعليه السلام - وإلا فالمشرِّع المباشر هو الله سبحانه وتعالى-، فحين يكون المشرِّع موجوداً قد لا يكون لهذه الإشكالية مجال، إذ كلما استجد أمر أمكن العودة إليه، لكن حين يغيب - مطلق الغياب بما هو أعم من الموت-، وتتلاحق المستجدات من جهة، وتتشظى التصورات في فهم نصوص و مقولات المشرّع من جهة أخرى، آنئذ تقفز إلى السطح إشكالية العقل والنقل بشكل أتوماتيكي.

و يمكن أن نلحظ هذا التقرير عملياً من خلال التأمل في التفاوت الزمني الحاصل بين التقنين الأصولي السني والتقنين الأصولي الشيعي، فالمناخ العلمي السني انقطع عنه المد النصّي بموت رسول اللهexcaim، مما سرّع من بروز تلك الإشكالية في وسطه، وتمخَّضَتْ الإستجابة العلمية لها في علم الأصول المصطلح.

أما المناخ العلمي الشيعي فتواصل لديه المد عبر الأئمة المعصومين من أهل البيتعليه السلام، ولذلك لم يضطروا للتعامل مع الإشكالية‌ المذكورة إلاّ بدايات القرن الرابع الهجري، حين بدأت تداعيات الغيبة تتعمّق في الوسط العلمي الشيعي.

فطبيعة الديناميكية الخارجية لأي فكر مودَع في نصوص - أيّ فكر نصّيّ مقنّن سواء كان قانوناً شرعياً أم قانوناً وضعياً- لابد أن تمر بنوع من التماس مع إشكالية العقل، ولو على نحو الفرضية، حتى وإن لم يكن لها مثيرٌ خارجي.

وقد كان هذا الأمر واضحاً في العقل الإسلامي، حيث أخذت تلك الإشكالية بالبروز شيئاً فشيئاً من داخله، وساعد على بروزها حيثيات عديدة استبطنها النص الديني نفسه منها:

اكتفاء النص في كثير من الموارد بسن أحكام كلية، وإيكال تطبيقها للمكلف العاقل، كالحكم الكلي القائل بوجوب تعظيم حرمات الله سبحانه وتعالى.

فالشارع إذا اكتفى بجعل الحكم الكلي، فإن مفاد ذلك التخيير العقلي بالنسبة للمكلَّف في كيفية ‌التطبيق، ففي المثال يكون المكلف مخيَّراً في كيفية تعظيمه لحرمات الله سبحانه[1]، وهي صلاحيّةٌ للعقل تكفل له الحركة والتصرّف ضمن ضوابط وحدود.

التصريح المتكرر داخل النص نفسه بجلال العقل، وقابليّته لتعقّل الأحكام والتكاليف - كما سيأتي-.

التأكيد على ضرورة ثبات الرؤية الدينية والمحافظة عليها، وذلك يستلزم إحتكاكاً بين العقل والنقل، إذ لو لم يكن ثبات تلك الرؤية ضرورياً، لأمكن للعقل العمل بعيداً عن النقل ولم يكن في ذلك ثمة محذور.

أما بناء على لزوم المحافظة على الرؤية الدينية، فلابد للعقل أن يتدخل ليفكّر في كيفية تثبيتها، وفيما هو صالح للثبات وما هو قابل للتغيّر.

تكفّل النص بسن قواعد ثانوية‌ رافعة للأحكام الأولية مؤقتاً -مع ضرورة التنبّه هنا لتعدد المباني الفقهية بالنسبة لطبيعة العلاقة بين الحكمين الثانوي والأولي-، كقاعدة نفي الضرر ونفي العسر والحرج وما أشبه.

فمثل هذه القواعد لا يمكن إعمالها إلا بتدخل العقل، فهو الذي يحشر نفسه في هذا الزاوية‌ ليقدّم حكماً على آخر عند انطباق العناوين الثانوية، وهذا يجعله في تماس واحتكاك مع النص باستمرار.

ترسيم خيار الإجتهاد حتى على عصر رسول اللهexcaim، فكيف به بعده؟

فقد نقل المؤرخون أن رسول اللهexcaim بعث أحد الصحابة وهو معاذ بن جبل قاضياً إلى اليمن، وقالexcaim ‌له: كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول اللهexcaim، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي لا آلو، قال: فضرب بيده على صدري، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه الله.[2]

وهكذا فعل الامام عليعليه السلام يوم الشورى بعد موت الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، حين رفض العمل بسيرة الشيخين بعد الكتاب والسنة، وأكّد على أن التنزّل بعد ذلك إلى إجتهاد رأيه.

والعمل الاجتهادي انما هو احتكاك منظَّم بين العقل والنقل، وصلاحية خاصة للعقل يمكن له بواسطتها أن يتحرك في مسيرة إستنباطية لتوليد الأفكار من داخل النص الديني.

فجميع هذه الحيثيات عندما نضمها إلى بعضها- بعد ملاحظة غياب المشرِّع- تتولّد أمامنا بشكل أوتوماتيكي إشكالية العقل والنقل.

وذلك ماحصل في الوسط العلمي الإسلامي، فبسبب تراكم جميع تلك الحقائق بضميمة غياب المعصوم(u)، تولّد همٌّ من داخل العقل الإسلامي، شأنه البحث في طبيعة العلاقة بين النص الديني المقنِّن وبين العقل المتحرك، وقد كانت حيوية النص وقابليته للحركة هي التي تغذي هذه الحالة وتذكيها في داخل العقل.

لذلك فجدلية العقل والنقل نابعة من داخل العقل الإسلامي، حيث أن النص الديني فيه من الحيوية والنشاط ما يجعله قابلاً لإفراز مثل هذه الجدلية، وهذه القابلية مظهر إيجابي من مظاهر تكامل النص، ودليل على حركيته وحيويته، خصوصاً إذا علمنا بأن النص تكفّل برسم الخطوط العريضة لتنظيم العلاقة بين العقل والنقل.

فلو كان النص جامداً وغير قابل للتحريك بتوسط العقل، للزم من ذلك توقّفه وتجاوز الزمان له وتحوّله بمرور الأيام إلى تاريخ وأطلال، كما يلزم من ذلك أيضاً تحوّل العقل إلى عقلٍ سطحي جاهلي لإنفصاله عن الحكمة الناطق بها ذلك النص، إذ أن العقل غير قادر على إدراك جميع الحقائق والمعاني.

لكن حينما يكون النص قابلاً للحركة والاستجابة للتحوّلات، فسيكون نصّاً حيوياً، وهكذا هو النص الديني، فهو يتمتّع بتلك الحيوية، وبناء عليه فهو على تماس مستمر مع العقل، في مسيرة طويلة هدفها تنزيل النص تنزيلاً علميّاً إلى الواقع.

إذاً فالإشكالية تولّدت من داخل العقل الاسلامي، وذلك بالطبع لا يعني عدم الإنفعال بالخارج، فالعوامل الخارجية المتمثلة في التساؤلات الفلسفية، كان لها دور في توسيع الإشكالية وإضافة مفردات جديدة في ساحتها، لكن أصل الإشكالية لم تكن دخيلة وإنما داخلية، ولو كانت كانت دخيلة بجميع فصولها، مع ملاحظة ما لها من تأثير بالغ على العقل الإسلامي، لكشف ذلك عن خفّة النص لإمكان إختراقه بسهولة، و الحال خلاف ذلك.

وعلى كل حال فجدلية «العقل – النقل» ليست إشكالية مفتراة من الخارج (= دخيلة) كما قد يتصور البعض، وإنما هي إشكالية حقيقية، وفي نفس الوقت إيجابية، فهي ليست عدوّة للنص، بل مظهر من مظاهر حيويته وجماله.

كل ذلك يتصل بالخط العام للإشكالية، أي الإشكالية بما هي، لكن توجد ثمة استثناءات في ثنايا هذه الاشكالية - وبتعبير أصح استثناءات اتصلت بها لاحقاً، أو كان لها أثر سابق- يمكن لنا التحفّظ عليها، وهو الباعث لكتابة هذه الدراسة.

[1] . تبنّى هذا الرأي أستاذنا آية الله الشيخ محمد سند في سياق تأسيسه لقاعدة الشعائر الدينية. راجع «قاعدة الشعائر الدينية» للمؤلف، تقريرات الشيخ محمد سند، الناشر: مؤسسة أم القرى- قم، 1424هـ.

[2] . تحديث العقل العربي، حسن صعب، ص 104.