إن التفكيك للميولات النفسية، بين ما يعبِّر عن الحق وما يعبِّر عن الهوى، قد يكون في نظر الهرمنوطيقي مجرد التفاف على المشكل العلمي، لأنه لا ينفي وجود الميولات من الأصل، كما أنه لا ينفي تعدد الميولات واختلافها عند ذوي العقول، والتعدد ينتهي تلقائياً للنسبية، بل يمكن القول بدايةً إن التفكيك بينها مجرد ادعاء وهمي، وإلا فهي ذات طابع واحد.

وقد أسس القرآن الكريم للرؤية المنهجية لهذا المشكل، وذلك من خلال التركيز على المائز الواقعي بين النفس اللوامة «وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ» (القيامة:2) والنفس الأمارة بالسوء «إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ»(يوسف: من الآية53)، فالأولى بمثابة جرس الإنذار الذي ينبِّه العقل من خطر الجنوح نحو الهوى والباطل، فيتجه تلقائياً نحو الحق، بينما الثانية تزيِّن الباطل وتلبسه لباس الحق، والصراع أبديٌّ بين هاتين القوتين، وبالعقل يمكن التمييز بينهما، وإذا أصاب العقلُ الحقَّ تطمئن النفس «يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ» (الفجر:27)، وبالتالي فالتفكيك واقعي من جهة، ومتيسَّر من جهة أخرى.