أمام هذا الموج الهائل من الأفكار والأطروحات الفكرية، كيف لنا أن نميِّز بين السليم والسقيم..؟

لو لم نكن مكلفين من الجهة الدينية أن نلتزم في المسائل العقدية بنحو خاص، حيث طولبنا باليقين والتصديق التام فيها، وهو ما اصطلح عليه علماء الأصول بالموافقة الإلتزامية.. ولو لم نكن مطالبين من نفس الجهة أن نأتي بالأعمال صحيحة واقعاً أو تعبداً في المسائل الفرعية، وهو ما اصطلح عليه علماء الأصول بالموافقة العملية.. أي لو لم نؤمر بالإلتزام بالإسلام على الوجه الصحيح، حيث قال تعالى:(ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه)، لأمكننا الركون لأي مقولة تصادفنا من أي وسيلة إعلامية، إلا أن الأمر ليس كذلك، فالمسلم مطالب بأن يتعبّد بأمور خاصة، ويتبع أفكاراً خاصة، ويصدِّق بمفاهيم خاصة، تأتلف بأجمعها في دائرة الإسلام، ولذلك لابد له أن يتحقق ويتحرَّز عندما تصادفه أي فكرة أو نظرية، باعتبار أن الإعلام المعاصر ينقل إلينا كل ما يُقال ويُكتَب، فالسياسة الإعلامية الناجحة في العرف الثقافي اليوم هي التي تعتمد النقل غير المقيَّد، النقل الذي لا يعتني بنقل السليم فقط وإنما الذي ينقل بإزائه ما يعارضه من غير ترجيح في كثير من الأحيان..

ولهذا فالمسلم الملتزم يحتاج أن يتحقق من كل مقولة وفكرة تصادفه، ليكون الفكر الذي يتبنّاه فكراً صافياً واضح المعالم والاتجاه..
فكيف يتسنّى للمسلم ذلك، خاصة ابن الشارع العام، الذي لا يهدف للتخصص والتعمّق، كيف يمكن له أن يقف عند كل خطأ ويميِّز السليم من السقيم..؟.

إن الخيار السليم هو القرآن الكريم.. لكن لماذا القرآن..؟.

لأن القرآن يتضمَّن أصول المبادئ والقيم، التي إذا تشبَّع بها الإنسان المسلم استطاع أن يتحسس أمام كل ما يطرأ عليه من فكر غير سليم.. فالقرآن لا يخوض في التفاصيل وإنما يُقدِّم مبادئ عامة، وتفاصيلها تأتي بها الروايات، كمحرمات الإحرام، فالقرآن الكريم جاء بأصولها في قوله تعالى(فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج)، والروايات جاءت بالتفاصيل التي تصل إلى خمسة وعشرين محرَّماً، والملفت للانتباه هنا أن سائر المحرمات تعود في حقيقتها إلى تلك الأصول الثلاثة، ولو أن الإنسان تأمل فيها(الثلاثة) بنحو دقيق، لشكَّلت له رؤية عامة تفيده في كثير من المواطن.

لهذا لو أن الإنسان المسلم يتشبَّع بالرؤى القرآنية على نحو دقيق، فإنها ستوفر لديه قدرة كافية تجعله لا أقل يتحفّظ أمام كل فكرة لا تنسجم مع تلك الرؤى.. وهذا ما أجاب به الإمام عليعليه السلام عندما سئل عن أمر مشابه لما نحن بصدده، فقد روى العلامة المجلسي عن يوسف بن عبد الرحمن رفعه إلى الحارث الاعور قال :" دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فقلت: يا أمير المؤمنين إنا إذا كنا عندك سمعنا الذي نسد به ديننا ، وإذا خرجنا من عندك سمعنا أشياء مختلفة مغموسة ، لا ندري ماهي ؟ قال : أو قد فعلوها ؟ قلت : نعم ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : أتانى جبرئيل فقال : يا محمد سيكون في امتك فتنة ، قلت : فما المخرج منها ؟ فقال كتاب الله فيه بيان ما قبلكم من خبر وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ، وهو الفصل ليس بالهزل ، من وليه من جبار فعمل بغيره قصمه الله ، ومن التمس الهدى في غيره أضله الله ، وهو حبل الله المتين ، وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم ، لا تزيفه الاهواء ولا تلبسه الالسنة ، ولا يخلق عن الرد ، ولا تنقضي عجائبه ، ولا يشبع منه العلماء هو الذي لم تكنه الجن إذ سمعه ، أن قالوا : " إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد " من قال به صدق ، ومن عمل به أجر ، ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم ، هو الكتاب العزيز ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد"(1) .


1. بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج98 ص24.